ابن عطية الأندلسي
371
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
قال عبد اللّه بن عباس : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية ، وقال ابن جريج : نزلت في رجل فعل ذلك ولم يسم عليا ولا غيره ، وقال ابن عباس أيضا نزلت هذه الآية في علف الخيل ، وقاله عبد اللّه بن بشر الغافقي وأبو ذر وأبو أمامة والأوزاعي وأبو الدرداء قالوا : هي في علف الخيل والمرتبطة في السبيل ، وقال قتادة هذه الآية في المنفقين في سبيل اللّه من غير تبذير ولا تقتير . قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : والآية وإن كانت نزلت في علي رضي اللّه عنه ، فمعناها يتناول كل من فعل فعله وكل مشاء بصدقته في الظلم إلى مظنة ذي الحاجة وأما علف الخيل والنفقة عليها فإن ألفاظ الآية تتناولها تناولا محكما ، وكذلك المنفق في الجهاد المباشر له إنما يجيء إنفاقه على رتب الآية . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : كان المؤمنون يعملون بهذه الآية من قوله : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ [ البقرة : 271 ] إلى قوله : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [ البقرة : 274 ] فلما نزلت براءة بتفصيل الزكاة قصروا عليها ، وقد تقدم القول على نفي الخوف والحزن ، والفاء في قوله : فَلَهُمْ دخلت لما في الَّذِينَ من الإبهام ، فهو يشبه بإبهامه الإبهام الذي في الشرط . فحسنت الفاء في جوابه كما تحسن في الشرط ، وإنما يوجد الشبه إذا كان الذي موصولا بفعل وإذا لم يدخل على « الذي » عامل يغير معناه ، فإن قلت : الذي أبوه زيد هو عمرو فلا تحسن الفاء في قولك فهو ، بل تلبس المعنى ، وإذا قلت ليت الذي جاءك جاءني لم يكن للفاء مدخل في المعنى ، وهذه الفاء المذكورة إنما تجيء مؤكدة للمعنى ، وقد يستغنى عنها إذا لم يقصد التأكيد كقوله بعد : لا يَقُومُونَ وقوله عزّ وجل : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا الآية ، الرِّبا هو الزيادة وهو مأخوذ من ربا يربو إذا نما وزاد على ما كان ، وغالبة ما كانت العرب تفعله من قولها للغريم أتقضي أم تربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ، ويصبر الطالب عليه ، ومن الربا البين التفاضل في النوع الواحد لأنها زيادة ، وكذلك أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال ، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه ، ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة ، فإن قيل لفاعلها : آكل ربا فبتجوز وتشبيه ، والربا من ذوات الواو ، وتثنيته ربوان عند سيبويه ، ويكتب بالألف . قال الكوفيون : يكتب ويثنى بالياء لأجل الكسرة التي في أوله . وكذلك يقولون في الثلاثية من ذوات الواو إذا انكسر الأول أو انضم ، نحو ضحى ، فإن كان مفتوحا نحو صفا فكما قال البصري . ومعنى هذه الآية : الذين يكسبون الربا ويفعلونه ، وقصد إلى لفظة الأكل لأنها أقوى مقاصد الإنسان في المال ، ولأنها دالة على الجشع ، فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله ، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال وغير ذلك داخل كله في قوله : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ، وقال ابن عباس رضي اللّه